عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 18-08-2010, 05:55 PM
الصورة الرمزية dr_ahmed_zorba

dr_ahmed_zorba

Administrator

______________

dr_ahmed_zorba is on a distinguished road

dr_ahmed_zorba غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي
رقــــم العضويـــــــــة: 238
تاريــخ التسجيـــــــل: Feb 2008
العــــــــــمـــــــــــــر:
الجــــــــــنــــــــــــس:
مكان الإقـــــامـــــــة:
مجموع المشاركــات : 2,179  [ ؟ ]
عـــدد النـقـــــــــــاط: 20  

افتراضي ايام الملك ... ضربه شمس ..:: مقال رائع ::


تاريح الإصدار: السبت, 14-08-2010
جريدة الدستور
العنوان: ايام الملك

ل خالد كساب


حكايات صغيرة ومتفرقة وغير مترابطة.. تحدث في كل ثانية وفي كل دقيقة وعلي مدار الساعة.. تحدث لجميع قاطني كوكب الأرض طوال الوقت وفي كل مكان وبدون توقف.. بعض تلك الحكايات إذا قمنا بتجميعها تظل كما هي.. مجرد حكايات صغيرة ومتفرقة وغير مترابطة وعشوائية.. بينما بعض تلك الحكايات إذا قمنا بتجميعها.. سوف نكتشف أننا لسنا أمام مجرد مجموعة حكايات صغيرة وغير مترابطة وعشوائية.. ولكننا أمام رواية.. رواية تستحق أن تُروي.. رواية قد يصلح مشهد مثل المشهد التالي كبداية مناسبة لها تماما.

مشهد من سنة 1977

نحن الآن في إحدي ليالي سنة 1977.. في أحد الشوارع الهادئة.. شابان يسيران في طريقهما إلي منزل الموسيقار العظيم والمتألق والأشهر والأكثر موهبة «بليغ حمدي»..، اليوم موعدهما معه.. يصلان إلي العمارة.. يعبران مدخلها.. يصعدان السلالم.. يقفان أمام باب تحتل صدارته لافتة صغيرة مكتوب عليها كلمتان اثنتان فقط.. «بليغ حمدي».. يضغط أحدهما الجرس وهو يعلم أنه وأخيه الأصغر بصدد لقاء هام وحاسم ومصيري.. ينفتح الباب عن من يخبرهما أن الموسيقار الكبير اضطر إلي السفر المفاجئ إلي الإسكندرية بسبب ظرف طارئ.. وهذا الظرف الطارئ وذلك السفر المفاجئ لم يكن تملصاً من الموسيقار الكبير بقدر ما كان تدخلاً قدرياً خاصاً لإعادة صياغة ذلك المشهد الحيوي والفاصل من مشاهد الرواية.. رواية شاب صغير سوف يصبح بعد تلك الليلة بعدة سنوات يمتلك اسماً حركياً رسمياً ومعترف به من قبل الجميع.. هو الملك.. بينما سوف يصبح صوته هو شريط الصوت الرسمي للدراما التي تمتليء بها أفلام حياة الكثيرين منا.. من منَّا مالوش حكاية مع كل أغنية من أغنياته؟!

«حنكلم حاج أحمد منيب».. كانت تلك هي الجملة التي قالها أحد هذين الشابين.. «فاروق منير».. للشاب الذي يخرج معه من عمارة بليغ حمدي إلي الشارع.. أخيه الأصغر .. «محمد منير».. مكالمة تليفونية من أول كشك قابلهما في الشارع تُسفر عن توجههما إلي «عابدين».. حيث منزل الحاج «أحمد منيب» الفنان العظيم والطيب.. أثناء عبورهما كوبري قصر النيل في طريقهما إلي «عابدين».. ينظر «محمد منير» إلي النيل الذي لم يكن يعلم وقتها أنه في طريقه الآن إلي من يُفترض أنه سوف يقوم بتلحين أغنية سوف تصدر بعد تلك الليلة بحوالي سنتين في أول ألبوم له وسوف تكون بمثابة أيقونة غنائية نحفظها ونرددها حتي بعد صدور الألبوم السادس والعشرون له.. هي «عروسة النيل».. يعبر من علي الكوبري وهو لا يعلم أن حفلاته في الأوبرا بعد تلك الليلة بسنوات سوف تتسبب في تكدسه مرورياً وسوف تحدث بلبلة وازدحام في منطقة وسط البلد عموماً.. المؤكد أنه لم يعلم وقتها أن ذلك سوف يحدث.. ولكن.. هل كان علي الأقل يشعر بذلك؟!

«تعالي يا محمد».. يقولها الحاج «أحمد منيب» لـ«محمد منير» بعد تقديم «فاروق منير» له.. يقولها وهو يفتح له يديه الاثنتين علي الرغم من أنه لم يره قبل ذلك ولم يسمعه حتي الآن.. يقولها وهو يحتضن الشاب الأسمر الممتليء بالأحلام «محمد منير».. يحتضنه بحنان وأبوية ومحبة وكأنما روحه النقية والفنانة قد أخبرته أن هذا الشاب سوف تكون له معه فيما بعد حكاية ذات شأن..

احتضنا بعضهما بينما لا أحد منهما يعلم أن تلك اللحظة التاريخية وأن هذه الليلة فاصلة وأن ذلك الحضن بداية لحكاية فنية جميلة سوف تحفر ينبوعاً من الفن يتدفق منه غناء جديداً ومختلفاً بكل ما تحمله كلمة «جديد» من معني.. وبكل ما تحمله كلمة «مختلفاً» من تمرد علي أسلوب غنائي ثابت ومحدد.. كان الغناء المصري بحاجة إلي دم جديد.. وهذا الدم الجديد كان هو حصيلة تلك الليلة السحرية.. هذا الدم الجديد كان هذا الشاب الذي رأيته ذات عصرية علي شاشة التليفزيون في أول أغنية مذاعة له وهو يرتدي ملابس عادية مثل تلك التي يرتديها أخي الأكبر «وليد» .. هذا الدم الجديد كان هو.. «محمد منير»!

«عبد الرحيم منصور».. كان هو الاسم الذي أثير وتردد ذكره في تلك الجلسة التاريخية بين الحاج «أحمد منيب» والأخوين «فاروق» و«محمد».. الآن.. اقتربت المعادلة من استكمال معطياتها.. الحاج «أحمد منيب» فنان عظيم وله بالفعل ألحان في الإذاعة لكبار المطربين والمطربات ولكن أعظم وأجمل ألحانه لأغاني باللغة النوبية لا يعرفها أحد ولم يسمعها غير القليلين ممن يفهمون اللغة النوبية .. «محمد منير» صوت مختلف وحقيقي ودرامي ومعبر وبمثابة أفضل جسر صوتي قد يصل بتلك الألحان إلي الناس.. إذن.. لا ينقص تلك الحسبة سوي شاعر علي نفس المستوي من الاختلاف والحقيقة والقدرة علي هبش الكلمات المناسبة من قلب الحياة.. ذلك الشاعر كان هو «عبد الرحيم منصور».. الآن.. اكتملت أطراف المعادلة.. الآن.. بات خط إنتاج الفن الجديد جاهزاً للبدء.. الآن.. وبعد تلك الليلة السحرية.. كانت مصر علي موعد مع تجربة مختلفة.. تجربة لن تمر مرور الكرام.. تجربة سوف يستمر رحيقها في قلوبنا وآذاننا.. تجربة سوف يتم تناقلها بين الأجيال المختلفة.. وسوف تستمر.. وتتوغل.. وتنتشر.

مشهد من أغسطس 2010

نحن الآن ليلة السبت 7 أغسطس 2010.. في مهرجان المياه ببرلين.. آخر حفلات الملك في إطار جولته المستمرة منذ حوالي شهرين ونصف كضيف علي فريق ich and ich الألماني المخضرم.. تلك الحفلة تقريبا هي الحفلة رقم 26 للملك في شهرين ونصف.. غني الملك خلالهم في الكثير والكثير من مدن وبلدان وعواصم أوروبا.. من تلك البلاد علي سبيل المثال لا الحصر.. «كولون».. «برلين».. «ميونخ».. «شتوتجارت».. «بيليفيلد».. «ماينز».. «فرانكفورت».. بالإضافة إلي «فيينا» في النمسا.. و«بازل» في سويسرا.. و«ليفربول» في إنجلترا.. تخللت تلك الجولة الأوروبية حفلة الساحل الشمالي الأخيرة في إسكندرية.. والآن وبعد عودته من «برلين».. يستعد لسفرية جديدة وحفلة جديدة ومدينة جديدة وبشر جديدة.. في التسعينات سألوه في إحدي المجلات عن أكثر ما ينفق «منير» فيه فلوسه.. فأجابهم منير.. «السفر.. وتذاكر الطيران»!

بين هذه المشهدين.. تكمن فصول الرواية..

الرواية التي لا تعد قصة عن شخص بقدر ما هي قصة عن الحياة.. الحياة التي قد تمنحك فرصة أشبه ببنت جميلة راكبة عجلة ببدال.. ولكن سوف يظل لزاماً عليك أن تبذل مجهوداً غير طبيعي لاستثمار واستغلال تلك الفرصة التي لو يلحقها العاقل.. يتغير بيه الحال.. وهذا هو ما فعله «منير» والذي لا يزال يفعله حتي الآن.. عليه أن يظل باستمرار متواصلاً مع آخر التجارب الموسيقية في العالم.. عليه أن يسافر دائماً.. ولكن فوق كل هذا.. عليه أن يذاكر.. نعم.. يذاكر.. وقد كنت علي موعد مع حضور إحدي قعدات المذاكرة تلك قبل حفل الساحل الشمالي الأخير.. فعلي مدار حوالي 4 ساعات من الثانية بعد منتصف الليل وحتي السادسة صباحاً.. كنت أجلس مع الملك في صومعته بينما تنساب أغانيه بشكل متوالي من سماعات الكمبيوتر.. أنظر له بجانبي علي الكنبة بينما صوته ينطلق من السماعات.. «تموت حتة مني.. والأجراس بتعلن نهاية بشر من العباد.. الحكمة قتلتني.. وحيتني .. وخلتني.. أغوص في قلب السر.. قلب الكون.. قبل الطوفان ما ييجي.. خلتني أخاف عليكي يا مصر وأحكيلك علي المكنون».. هذا الجالس في هدوء بجانبي.. والذي تتوالي أغانيه علي آذاننا.. تُري .. بماذا يشعر وهو يستمع إلي تلك الأغاني المحفورة بداخلنا جميعا.. والمرتبطة بقصص عشق وفراق وفرحة وأحزان عشناها جميعاً.. يقول «محمد عبد الوهاب» إن أروع لحظة يمكن للفنان أن يشعر بها هي تلك اللحظة التي يقول فيها لنفسه مستحسناً أداءه .. «الله» - هذا طبعا بعد أن يقولها له الجمهور - تري.. هل كانت البسمة الخجولة التي ارتسمت علي ملامحه أثناء استماعنا إلي أغنية «علي صوتك بالغنا».. مرادفاً متواضعاً لذلك الاستحسان الذي تحدث عنه الموسيقار العظيم .. «محمد عبد الوهاب»؟!

في حفله الأخير بالساحل الشمالي .. قَدَّم منير إحدي الأغاني بجملة مثل تلك .. «الأغنية دي هي أنا».. بعدها بدأت الموسيقي تمهد الطريق لغنائه.. «إيديا في جيوبي وقلبي طِرِب.. سارح في غربة بس مش مغترب.. وحدي لكن ونسان وماشي كده.. بابتعد.. ما اعرفش أو باقترب».. إذا كانت تلك الأغنية هي منير.. فهي أيضا نحن جميعا.. وربما ذلك هو السبب الحقيقي وراء ذلك الرابط الروحي القوي الذي يجمع منير بالناس.. هؤلاء الناس الذين نَصَّبُوه ملكاً علي عرش الغناء.. ليمنحهم هو في المقابل 30 سنة من الغناء المختلف ومن الفن المتفرد.. ليمنحهم هو في المقابل.. حتة من حياته!

__________________

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]
My last Design

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]


its HQ click > [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا] >
رد مع اقتباس